محمد جمال الدين القاسمي

204

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

ونصائح ونحوها ، لا تزال فيهما أشياء كثيرة لا عيب فيها ، ونافعة للبشر وفيها هداية عظمى للناس ، فهي مما يدخل تحت قوله تعالى : وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ [ آل عمران : 3 - 4 ] ، فإذا أقام أهل الكتاب أحكامهما على علاتها كانوا لا شك على شيء يعتد به ويصح أن يسمى دينا . وإذا لم يقيموهما وجروا على خلافهما ، كانوا مجردين من كل شيء يستحق أن يسمى دينا . وكانوا مشاغبين معاندين ، وبدينهم غير مؤمنين إيمانا كاملا . وهذا معنى صحيح ، وهو المتبادر من الآية . فأي شيء في هذا المعنى يدل على عدم تحريف التوراة والإنجيل وعلى وجودهما كاملين ، كما يدعي ذلك المكابرون من أهلهما ، وخصوصا بعد قوله تعالى : وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ؟ [ المائدة : 13 ] . ثم قال : ولك أن تقول : معنى قوله تعالى : لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ . الحقيقيّين . وذلك يستلزم البحث والتنقيب والجد والاجتهاد في نقد ما عندهم منهما نقدا عقليا تاريخيا صحيحا ، حتى يستخلصوا حقهما من باطلهما بقدر الإمكان ، ونتيجة ذلك العناء كلّه ، أن يكونوا على شيء من الدين الحقّ ، وهذا أمر لا شبهة فيه . ولو اتبعوا القرآن لأراحوا واستراحوا . ولكنهم - كما أخبر تعالى عنهم - لا يزيدهم القرآن إلّا طغيانا وكفرا حسدا وعنادا فلا يؤمنون به . ولا يهتم جمهورهم بإصلاح دينهم من المفاسد وتنقيته من الشوائب . فلم يدركوا خير هذا ولا ذاك . فكأن الآية تريهم أنهم إذا لم يتبعوا القرآن يجب عليهم القيام بعبء ثقيل جدّا من البحث والتمحيص ، وبعد ذلك يكونون على شيء من الحق لا على الحق كله ولو أقاموا التوراة والإنجيل الحقيقيين غاية الإقامة ، فما بالك إذا كان ذلك مستحيلا لعدم وجودهما على حقيقتهما ؟ فهم ليسوا على شيء مطلقا . ولا يمكن أن يكونوا عليه . فإن كتبهم قد صارت خلقة بالية . لذلك قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لعمر رضي اللّه عنه ، حينما رأى ورقة من التوراة بيده : ألم آتكم بها بيضاء نقية ؟ واللّه لو كان موسى حيّا ما وسعه إلّا اتباعي . ( فإن قيل ) : وكيف يحثهم اللّه على العمل بأي شيء من دينهم ، ومنه ما جاء القرآن ناسخا له ؟ ( قلت ) : لا شك عند كل عاقل أنه خير لأهل الكتاب أن يعملوا بشرائع دينهم الأصلية ، فإنهم حينئذ يتجنبون الكذب والتحريف والعناد والأذى والإفساد في الأرض وإهلاك الحرث والنسل والزنى ، وغير ذلك مما يعمله الناس . فمراد القرآن على التفسير الأول للآية حثهم - إن أصروا على عدم الإيمان به - على العمل بدينهم على الأقل ليستريح النبيّ وأتباعه من أكثر شرورهم ورذائلهم . ولكن بعد العمل بدينهم لا يكونون على الدين الحق الكامل ؛ بل